مونة الغزالين ٨: أجساد خاملة
من إعداد ميلاني سميث
مرحبًا، من السابق لأوانه قول أي شيء متماسك حول ما يحدث الآن. ذهني مرتبك بسبب وابل التعليمات اليومية، والرسوم البيانيّة عن تخطيط المنحى، والحكمة التي تتدافع نحوي من جميع الاتجاهات. يحاول عقلي أن يتأقلم لمواكبة ذلك، بينما أكافح مثل الكثير من الناس للتوصّل لأي معنى. نظريًا، يبدو من المهم للغاية عدم إبطاء عملية الإنتاج، ولكن كيف نستطيع التعامل مع الواقع إذا لم نحرص على الخمول والثبات والصمت لبعض الوقت –لاسيما ونحن ندرك أن معظمنا لا يرغب في الاستمرار بنفس الطريقة السابقة؟ إذا كان هناك ما يمكن أن أقوله، فهو أن أعمالي الفنية الأكثر إقناعًا، جاءت دائمًا بعد فترات هدوء، وشكوك، ولامبالاة. إن عدم الدقة في مثل هذه الظروف أمر جيد حقًا، كما أن التروي لبعض الوقت جيد كذلك. لسنا مضطرين لملء الفراغات بالإجابة الصحيحة بعد؛ هذه النزعة لتحديد الأشياء والرغبة في التسوية الفورية هي جزء من المشكلة.
لذا، بدلًا من الارتقاء إلى مستوى التحدي، (وربما على النقيض)، أخذتُ خطوات إلى الوراء بدلًا من الأمام. ما يلي هو سلسلة من النصوص الصغيرة التي كتبتها على مدى العامين الماضيين، إلى جانب بعض الصور التوضيحية من مشروعاتي السابقة، التي تمحورت حول أفكار عن جسد ثابت، وإن تحرك في دوائر، وعن التواصل والتشظي، وجدلية المعنى وغياب المعنى. في الغالب آمل ألا أشرح كثيرًا وأن تكون هذه الصور المصاحبة للنصوص ذات دلالة واضحة.
ملاحظة: أنا لا أرى "مونة الغزالة" هذه كـ"طرد رعاية" ، ولكن دعونا نرى إن كان بمقدورنا الحصول على مكسب غير متوقع من هذه العزلة وهذا الحزن.
ما بعد الكارثة (من يستضيف هذا؟)
ثم كان هناك توقف مؤقت " . . . "
هناك منطقة حول البرج تستقبل الإشارة وجهاز يهدف إلى معالجة النقص المزمن في المياه. في أتيليه بعيد، يصر الرسام على إبراز نقطة سوداء في الخلفية: ذكريات تثير الدموع عن شفرة مورس. لا شيء يدوم. أقام القائد معسكرًا صغيرًا بأغصان وفروع أشجار –لا أعرف كم من الوقت سيظل هناك. "لا أستطيع إصلاح ترددات الواقع". ذلك لأن علامات الحذف أصبحت من أعدائك. قلت: فلننتظر حركة الجثث والشَعر والطلقات النارية، ثم نرى ما يحدث. أعتقد أننا على أعتاب أعظم أيام التكنولوجيا الفائقة.
طرح الأشياء جانبًا
حياة طائفية: المؤمنون والكفار
قالوا إنهم جاؤوا من جمهورية أخرى عقب تكفيرهم بسبب انعزاليّتهم عن المجتمع. خبازون مهرة، وحاملو أكواب، وتجار، ونحاتون، وطهاة، حاربوا العنف والاستبداد، وبالتالي يُفترض أنهم يدافعون عن السلام. لقد اعتبروا الأعلى من بينهم أهم شيء بالنسبة للقوى الاجتماعية، باخِسين من قيمة الفئات الدنيا. عُثر على بعض العظام فقط في المكان الذي كانوا يعيشون فيه في الماضي، ولقد اقتنع الناس بأن كلمة "الكائن التقي" قد أنقذتهم وقضت عليهم في نفس الوقت. قضوا سبع سنوات في التيه، ولم يعرفوا معنى النوم في السرير. كانوا 1200 شخصًا، لكن ملكهم وملكتهم والآخرين جميعًا قضوا نحبهم في الطريق. المؤمنون والكفار.
في حقبة لاحقة، تغيرت الأمور. لقد أقاموا ديكورًا غريبًا وخشبة مسرح مبهرة، وتميزت ثقافتهم الشجاعة بأكملها بتوازن غير مستقر بين العاطفة والاستهزاء. حياة أنيقة تزينها أشكال مثالية، عالم متنكر بتُرس "المائدة المستديرة" الرائع. مظاهر الاستيلاء على أصول الدولة اتخذت شكل العرض الترفيهي. لم يكن هناك من أسباب لتبنّي أي فكرة اقتصادية بخلاف الطمع في ثروات الجيران. لم يسيطر على خيالهم سوى الذهب الأصفر. في سعيهم الأعمى لاتّباع ربهم أو طائفتهم، حاولت آراؤهم اليقينية -بأنهم على حق-، في التعبير عن نفسها. كافة الأشياء طرحت نفسها على العقل على نحو شديد التناقض وبأشكال مثيرة للإعجاب، ما أنتج تذبذبًا دائمًا بين اليأس والفرح المضطرب، بين القسوة والرقة الورعة. كما ذُرفت دموع غزيرة في الاحتفالات المهيبة ذات الطابع السياسي.
تنازعت العائلات المُختارة بقوة على حق الصدارة. تشددوا في الإجبار والعقاب، ما جعلهم يتسمون بطابع الانتقام. داخل الطائفة، ثارت شفقة عميقة إزاء المرضى والفقراء والمجانين، شفقة ناجمة عن شعور الأخوة. يعانون من ضعف الأجور وسوء أماكن الإقامة، حيث الضجيج المتواصل، والاضطراب، والسباب، والمشاجرات، والغيرة، والإصابات، وأبواب الجحيم. لم تجد مظاهر الحزن الصاخبة آذانًا صاغية، وكان على كافة الأشياء المتعلقة بالمتوفين أن تشهد على الحزن غير المحدود. في حالة واحدة، تُرك رداء الدولة عند قدمي جثة مقطوعة الرأس ومُعلقة، ومُمزقة، ومعروضة في السوق، بعد تغطيتها برداء قرمزي اللون، حوافه مُبطنة بالفرو. شخص آخر ينتمي للأقلية (لأنه انتقد الوزارة) تحرسه نساء انتشرن حول المبنى، طوال النهار والليل، وهن مُسلحات بالرماد والحجارة، أرواحهن مشبوبة العاطفة تتأرجح بين التقوى الدامعة والوحشية القاتلة، بين الاحترام والوقاحة، بين القنوط والخلاعة.
ليس هناك فنان حزين بالدرجة الكافية ليكون قادرًا على تصوير ذلك.
ولكن ظهر طريق ثالث بعد ذلك، يؤدي إلى عالم أكثر جمالًا، وطريق عرفته كافة العصور والحضارات، وهو أكثر الدروب سلاسة وأقلها واقعية: الحلم. الذي يقدم للجميع وعدًا بالهروب من الواقع الكئيب؛ كل ما عليك هو طمس الحياة بغلالة من الوهم، لكي تدخل مسار النسيان، وتسعى لتحقيق وهم الانسجام المثالي.
تجاوز الحد
الناس متعبون. تتضخم الأشياء، وتنفجر. أشكال مخروطية برتقالية اللون، تطوق كافة المناطق التي تفتقر إلى علامات مميزة. نظام لكن لا تواصل. قرد يرتدي صدرية يلتهم مفرش مائدة ملطخ. أكوام البلاستيك تسد الأفق. الرجل الجالس خلف المكتب يختم جميع الأشكال بكتلة خرسانية. منطقة تتخللها أشياء كثيرة، متناثرة في أماكن مختلفة. في هذا المشهد، تبدو الطريق رمادية، لون رمادي يشبه الموت، تتخلله علامات كبيرة صماء. كل الكلمات بلا جدوى، مثل الشرطي المزيف الذي يقف عند المدخل، يلاحق الدهاليز الممتلئة بكميات أقل من المعدّلات. لدينا أسنان معدنية ومصارف كهفية وسماء نيلية، بلا حواف؛ تسحق النازحين في أي مكان لا يليقون به. آلاف الأشخاص الذين لم يتمكنوا من العثور على حذاءهم الأيسر يجوبون الشوارع. تنتقل الصور في جميع أنحاء معبدها، بين الشعور والمُدرك، عند خط التماس الذي يفصل الحياة عن غير المرغوب فيه. مثل الضوء في رأسي، تنفجر الأشياء. في بعض البقاع، يمكن استخراج آثار التحركات التي حدثت مُؤخرًا. شاشة تعرض الوهم. يتقدم أحدهم إلى الصفوف الأمامية، لكن البقية يُسحقون في داخل مقاطع الموسيقى. لقد قرءوا الأخبار الدولية لكن الأمور لا تتحسن. من المستحيل تجسيد ذلك المكان الذي يشعرني بالراحة. هنا، أهمية مفهوم السمو، حيث يتصالح لغط الصمت مع المناطق التي نعجز عن التعبير عنها. حزن الطبيعة وفقدان بلا سمة. تبدو الحياة أكثر مثالية باللونين الأسود والأبيض.
أترك الأمر للهواة
أبيات شعر "وليام بليك" تشحن نقاط الطاقة، لأن ابتهالات رحلته الذهنية تشبه العلاج وخزًا بالإبر، إنها لقطة مؤلمة في العتمة، من أجل وضع النظام في حالة توازن، بينما يتخيل شخصية كائن داخلي. محاولاته لصنع مدينة حالمة، صنعت مدينة للهلوسة، تضخم شيطانها الذاتي الزائف للغاية، وتحول إلى جسد مجرد. هذا هو المكان الذي أعود إليه، إلى حالة من الوجود، إلى مرشد من الكوبالت الأزرق، يشرح علم كونيات مشوش في زمن المستقبل التام، أراه يتحرك مثل الكائنات غير الحية على الشاشات. لا مفر، لقد وصلنا إلى مكان يصف المكان الذي وصلنا إليه على نحو مهيب. حين أستحضر الأشياء داخل رأسي، مثل استحضار جني المصباح، أصبح –على نحو مؤقت- سحريًا، ثم أتبخر، وأقوم بالتسجيل، والتركيز، والتفجير أو تكبير حجم الأشياء البعيدة. تصبح المحاكاة قابلة للاختراع، والاستنباط، الاصطناع، في مكان ما بين الفعلي والمضطرب. لذا تستمر العملية وتستمر. لقد انغمسنا في دوامة من الطاقة، غرفة صدى طبوغرافي غير إقليمية، هي العمود الفقري الملتوي لرحلة ما. أصاب التشوش بقية الجملة؛ أريد أن أرى وجهك عندما أتحدث إليك عن السخط العام، والشظايا المتنافرة، وكل تلك الأشياء التي تقبع تحت الضباب، والاكتئاب العقلي، والشَعر المستعار القابل للاشتعال، والتقاطعات الحمقاء. يتضح لها أن مكانها بين المشردين، غيرالمشذّبين، الفئة الثالثة.
سألتني المؤدية كيف خطر لي أن أكتب الشعر، وإلى متى أعتقد أنني سأستمر في كتابته. لكن المُخرج لم يكن موجودًا، فلم أتمكن من الإجابة. أو ربما لم يكن هناك مخرج، وربما كان هذا هو بيت القصيد. لذا وبدلًا من ذلك سألَتْ: "ما هي الطاقة التي سيولدها هذا المشهد ليلاً؟ "سؤال بلاغي غبي، ومع ذلك شعرت بطريقة ما أن هذا السؤال كان مفتاح لمستقبلي، أو ربما ليس مستقبلي بقدر قدرتنا على المعاناة.
مبتور
لكن الوحش نجح في نسج شرنقة.
لم يصبح الجسد حقًا أيًا من هؤلاء: ليس مجموعًا أو فردًا، ليس صورة لاهوتية ولم يتخذ هيئة حيوان. الشخص الذي أُنقذ، والشخص الذي فُقد لهما نفس الذراعين والساقين. لذلك، هناك إمكانية لرفض الهوية برمتها، يمكن أن نخلعها، نلغيها، نتراجع عنها. وقد يحدث أن لا ننتمي.
قطع.
المشهد التالي مظلم وبارد، المشهد التالي يسمى "الخراب". الوجه المحطم لا يزال هو نفسه الوجه المحطم؛ مجدوع الأنف، وأحَد أطرافِه مبتورة. الذات المصابة بصدمة، تظل ذاتًا مصابة بصدمة. ومع ذلك، يظل الدمار أمرًا شكليًا كذلك. يمتلك التدمير أدوات النحت الخاصة به. رجل لديه أصابع قصيرة ولكن من أجل تشكيل أصابعك الجديدة، عليك التخلص من الأصابع القديمة. جسد بلا تعويض عما خسر وبلا ندبة، هو جسد يشطر خيط الحياة إلى نصفين أو إلى عدة شظايا لم تعد تتلاقي. لم يعد للوصول أو للجسد معنى، بعد هجر الذات، والتباعد عن الفرد الذي يصبح غريبًا عن ذاته. عقبة، منعطف يُفضي إلى مسارًا آخر، مسار غير متوقع. مجرد نتف ناجمة عن النحت الداخلي. تكوين هوية تهرب من ذاتها، تهرب من استحالة الفرار من الذات. تم التخلي عن الهوية، وانفصلت مرة أخرى. لا مكان. ليس لها جسد من اللحاء، ولا درع، ولا أغصان. في محاولتهم للحفاظ على الجلد القديم، يفقد ملامحه ولا يمكن التعرف عليه إلى الأبد. الحقيقة هي أنهم تحولوا إلى أناس جُدد، ينتمون إلى أجناس مختلفة. كما لو أنه، في المساء، يمكن خلع الشكل وتركه معلقًا مثل الثوب على ظهر المقعد.
ولدت ميلاني سميث في إنجلترا عام 1965. تعيش وتعمل بين مكسيكو سيتي ولندن، وتحاول إعمال فكرها في مجال الرسم بشكل عام، ومدى تشابكه مع الصور المتحركة. في الغالب، يحطم تصويرها لمواقع محددة في أمريكا اللاتينية أي أهمية عقلانية للإنتاج، باعتباره تفكيرًا في أطقم العمل والجداول الزمنية.